حبيب الله الهاشمي الخوئي

223

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الجحيم المعدّة للعاصين والخاطئين ( ألا وإنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة ) والتّشبيه فيه كما في سابقه ، ووجه الشّبه أنّ المطية الذّلول التي زمامها بيد راكبها كما أنّ من شأنها أن تتحرّك براكبها على رفق ونظام ويصرفها الرّاكب من أجل كون زمامها بيده عن المهالك ويسير بها إلى المقاصد ، فكذلك التّقوى ، فإنّ صاحبه الذي زمامه بيده وهى الحدود الشّرعيّة التي بها يملكه ويستقرّ عليه يسهل ( 1 ) له سلوك الصّراط المستقيم والعطف عن الشّمال واليمين ، ويتمكَّن من الفوز بالسّعادة الأبديّة ومن الوصول إلى أسنى المطالب السّنية وهي الجنّة التي عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين . ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا أشار إلى أنّ هاهنا طريقين مسلوكين أحدهما طريق الخطاء والآخر طريق التّقوى ذكر بعدهما أنّهما ( حقّ وباطل ) يعني أنّ التّقوى حقّ والخطاء باطل أو أنّ الأمور كلَّها إمّا حقّ أو باطل ( ولكلّ ) منهما ( أهل ) أي سالك يسلكه وطالب يطلبه بمقتضى طيب الطينة وخبثها ( فلئن امر الباطل ) وكثر ( لقديما فعل ) الباطل أي أهله ذلك ( ولئن قلّ الحق فلربّما ) يكون غالبا مع قلَّته على الباطل ( ولعلَّه ) ينتصر أهله ( ولقلَّما أدبر شيء فأقبل ) قال الشّارح البحراني : استبعاد لرجوع الحقّ إلى الكثرة والقوّة بعد قلَّته وضعفه على وجه كلَّي فإنّ زوال الاستعداد للأمر مستلزم لزوال صورته وصورة الحقّ إنّما أفيضت على قلوب صفت واستعدت لقبوله فإذا اخذ ذلك الاستعداد في النقصان بموت أهله أو بموت قلوبهم ، وتسوّد ألواح نفوسهم بشبه الباطل ، فلا بدّ أن ينقص نور الحقّ وتكثر ظلمة بسبب قوّة الاستعداد لها ، وظاهر أنّ عود الحقّ وإضاءة نوره بعد ادباره وإقبال ظلمة الباطل أمر بعيد وقلَّما يعود مثل ذلك الاستعداد لقبول مثل تلك الصّورة للحقّ ولعلَّه يعود بقوّة فيصبح ألواح النّفوس وأرضها مشرقة بأنوار الحقّ ويكرّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وما ذلك على اللَّه بعزيز ،

--> ( 1 ) خبر ان منه .